أنفاس التباريح

خواطر / مقالات / قصص قصيرة / قصـــائد


آهـ ياوطنـ ...!

لن أرى النصف الفارغ من الكأس .. فالنصف لم يعد كذلك .. والماء لم يبقى مجرد ماء .. فبكتيريا الوهن قد اعياه وانهكه وأخل بتركيبة نقاءه ..
حينما يشغلنا التصويت لشاعر المليون ومتابعة مزاين الإبل وستار اكاديمي يكون قد حددنا ثلاثة اقسام لنصفنا بشكل دقيق ونزيه وعادل ، وحينما لم نعد نهتز لمشاهد البؤس على وجوه من نحبهم وهو يموتون ببطء لخطأ طبي فادح ، او فقر مدقع ، أو ظلم فادح من مسئول حكومي ، فحتماً ان نصف الكوب أصبح ربعه فقط !!
وحينما نرى تلك المصروفات التي ذهبت ادراج رياح نفاق ورياء مذموم ، ونشهد تلك الكمية الهائلة من الكتب والخطابات الخالية من تناول قضايانا بشفافية ونية صادقة لعلاجها ندرك "أن الشق أكبر من الرقعة" !!
وحينما نرى تلك الضبابية في قراراتنا والعبث في مخصصاتها والفساد والرشاوي والمناقصات التي ولدت عمياء وماتت قبل أن ترى النور ، ولا نجد من يقول مهلاً هناك خلل .. حتماً هناك "كارثة" قادمة وان سارت ببطء إلا أنها يبقى خطرها قائماً وإعصارها سينال من الجميع !!
وحينما نرى تورماً "خبيثاً" في ارصدتهم ، ووهناً شديداً وإضمحلالاً وجوعاً في الشارع الخلفي للبنوك المتخمة بالاموال ولا أحد يتحرك نؤمن بأن احصائيات الجريمة والسرقة والانتحار والأمراض والعوز والفساد في تضخم حاد وقابل للانفجار بأي لحظة ..
وحينما نرى مجلس الشورى المشلول ضمناً والمعوّق حركة ، ولا زال هناك من ينتظره أن يسير على قدميه .. ندرك بأن إن هناك من لا يزال يحلم بتحقيق المعجزات ..
وحينما نتفائل كثيراً بانعقاد جلسات الحوار الوطني ، ونسمع ما يطرح من قضايا ثم تحفظ في ادراجهم بلا حلول ولا تفعيل ينقلب هذا التفاؤل الى تشاؤم وأكثر أيضاً .. وندرك ان القضية هي للتنفيس فقط ومجرد هراء يُطلق بالهواء !!
وحينما نرى العدد الهائل للمشاريع المتعثرة والمناقصات التي لا يوجد لها أثراً على أرض الواقع ولا من حسيب او رقيب ، نعرف إن هناك من يأوي ويتستر على هؤلاء ، بل ويؤمن له حريته ..
وحينما نرى حجم المساعدات الخارجية (وآخرها قبل ايام قليلة لبنغلاديش) والمليارات التي تهب أما مساعدة أو من أجل "إتقاء شر" أو "محاباة على حساب جماعة آخرين" ، نصل إلى حقيقة إن لا طائل خلف هذه السياسة فالايام شهدت أننا لا نستفيد إلا نظرة احتقار وكره يتزايد بتزايد اغداق المال عليهم * !
وحينما لا يكتف الوطن باحتضان "اللصوص الشرفاء" واللصوص اللصوص ، بل يتعدى ذلك الى تكريمهم وابراز صورهم الملونة الى جانب زعماء العصابات المنظمة وغير المنظمة ، والتي تختلف مسمياتهم بل وتتغير بما يتلائم مع الخدمات العصرية الجديدة كـ لصوص الأسهم والشركات الوهمية وتنمية الأموال وغيرها الكثير لينضموا الى سابقيهم كغسيل الأموال ولصوص التأشيرات ولصوص الجمعيات الخيرية ولصوص مؤسسات درء السيول والصرف الصحي ومزوري الشهادات العليا في الماجستير والدكتوراة ، نعي أن "طرق اللصوصية كلها تؤدي إلى القصور والسيارات الفارهة " وليذهب الوطن الى الجحيم !!
وحينما يُثقل كهل المواطن البسيط بقائمة طويلة من الضرائب التي تسمى "رسوماً" وتصل بذلك الى مصاف الدول الأولى في العالم التي يتفنون بمسمياتها وانواعها واقسامها الغريبة منها والمضحكة والفريدة .. ولا نسمع صوتاً او كلمة تقال عدا كاركاتيراً أو مقال يخرج بشكل "عارض" و"تقدير خاطئ" من رقيب نصفه نائم !!
وحينما يُغيّب صوت المواطن في كافة وسائلنا الإعلامية المختلفة والتي يهيمن عليها مسئولين "يتشبثون بكراسيهم ويقاتلون من أجلها" .. والمهم هو "رضى من عيّنهم عليهم" .. أما الوطن ففي 60 داهية !!
وحينما نرى الخدمات الأولية الضعيفة والبنية التحتية المهترئة ، وغلاء الاسعار الفاحش وزيادة المتسولين في الشوارع والإزقة ، وأرتفاع معدلات السرقات والسطو والاحتيال ... فلا نشك لحظة إننا امام ثلاثة اقسام من الشعب : الثلث الأول يمثل الطبقة الوسطى ، والثاني من الطبقة المخملية وهم يمثلون النسبة الأقل من الثلث والباقي ممن اقل من خط الفقر أو ممن لا يملكون من الدنيا غير راتبه الوظيفي والباقي أما ايجار او اقساط !!

اتذكر كل ذلك وترتسم جملة غوار الطوشة الأكثر صدقاً وتشخيصاً في لهجته الشامية العامية البسيطة حينما يقول :
كل من بإيده إله !!!!!
.
.
.
.
.
ولأني أحبه وأشفق عليه أقول :
آآآآآآآآآه ياوطني ..

ـــــــــــــــــــــ
* ( نشر مقال لعيسى الحليان ذكر فيها احصائية دقيقة عن كافة مساعدات السعودية منذ اكثر من 30 عاماً لمختلف انحاء العالم ، تكفي لبناء دولة اخرى بكامل احتياجاتها ) نشرت في جريدة عكاظ اليومية ..

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية